د. وسيم جابر- || - اليوم 189 للحرب
من يُهدِمُ نقطةً ويُغادرُها، يعترفُ أنّه عجزَ عن الإمساكِ بها - والبيانُ الإسرائيليُّ عن علي الطاهرِ اعترافٌ لبسَ ثوبَ انتصار
منذُ قليل، أعلنَ جيشُ العدوِّ إتمامَ «تطهيرِ» أنفاقِ علي الطاهرِ وهدمِها، ووصفَها بـ«العصبِ المركزيِّ» لبنيةٍ «مموَّلةٍ إيرانياً بُنيت على مدى عقدين»، ثمّ ختمَ بندَه ببندٍ يفضحُ كلَّ ما قبلَه: نيّتُه الانسحاب. حين يُهدَمُ الموقعُ ثمّ يُعلَنُ الرحيلُ عنه، فذلك اعترافٌ لا انتصار. ولنقرأِ البيانَ بالدليلِ والتاريخِ لا بالانفعال.
أولاً: حجمُ النارِ على تلّةٍ واحدة
منذ حزيران 2026 وجهدُ العدوِّ منصبٌّ على السيطرةِ على المرتفعِ الواقعِ أصلاً داخلَ «منطقتِه الأمنية»؛ وحتى مطلعِ أيلولَ دفعَ ثمناً موثّقاً: خمسةُ قتلى على الأقلِّ وثمانيةَ عشرَ جريحاً في هجماتِ مسيّراتٍ مفخّخةٍ واشتباكات. ثلاثةُ أشهرٍ من قصفٍ شبهِ يوميٍّ لِتفكيكِ منشأةٍ واحدة: مدفعيةٌ، وغاراتٌ جوية، ومحلّقاتٌ تُلقي «غالوناتٍ متفجّرة»، وقذائفُ دخانية ثم تبعها غازات سامة. هذا الكمُّ من النارِ على تلّةٍ واحدةٍ ليس برهانَ اقتدار؛ إنه مقياسُ استنزافٍ فرضَه صمودُ حفنةٍ من الرجال.
ثانياً: الفوسفورُ الأبيض - نارٌ سامّةٌ فوقَ الأحراش
ولم يكتفِ العدوُّ بالمتفجّر، بل أمطرَ محيطَ علي الطاهرِ بالفوسفورِ الأبيض - مادةٍ حارقةٍ تُطلقُ عند احتراقِها أدخنةً سامّةً خانقةً وتُحدثُ حروقاً كيميائيةً عميقة، ويُحرّمُ استخدامُها فوقَ المناطقِ المأهولة. والأدلّةُ بتواريخِها: قصفٌ فوسفوريٌّ بين الدبشةِ وعلي الطاهر، وعلى محيطِ التلّةِ ودوحةِ كفررمّان وبني حيان، وقصفٌ فوسفوريٌّ ودخانيٌّ مع تقدّمِ الدبابات في المنصوري - كلُّها في أواخرِ آبَ ومطلعِ أيلول. حين يستعينُ جيشٌ بالنارِ السامّةِ لِحرقِ أحراشِ تلّةٍ عجزَ عن أخذِها بالقدم، فذلك عنوانُ العجزِ لا القوّة.
ثالثاً: «قُتِلَ بعضُهم وفرّ آخرون»
اقرأوا اعترافَهم بكلماتِهم: «قُتِلَ بعضُهم وفرّ آخرون». أي أنّ المقاتلينَ خرجوا وحُفِظوا؛ أخذَ العدوُّ إسمنتاً فارغاً، لا القضاءَ على القوّة. الرجالُ تصدّوا لعشراتِ الهجماتِ ثمّ انسحبوا عبرَ المسارات؛ الخرسانةُ هُدِمت، والمقاتلُ باقٍ. هذا هو الفرقُ بين احتلالِ أرضٍ وكسرِ إرادة.
رابعاً: كلمةُ «الانسحاب» - الاعترافُ مدفونٌ في البيان
من يعتبرُ نقطةً «استراتيجيةً حيوية» لا ينسحبُ منها بل يبقى فيها. الهدمُ ثمّ الانسحابُ اعترافٌ صريحٌ بأنّه عاجزٌ عن تثبيتِ سيطرتِه. وتكشفُ التقاريرُ الإسرائيليةُ الوجهَ الآخر: عرضَ العدوُّ انسحاباً «متواضعاً جداً» من علي الطاهرِ وتبنين، ليختبرَ ما إذا كان الجيشُ اللبنانيُّ سيتولّى «تنظيفَ» المنطقةِ من حزب الله. فالانسحابُ ورقةُ ابتزازٍ لتحميلِ الجيشِ اللبنانيِّ عبءَ نزعِ السلاح - لا فرارُ هزيمةٍ ولا كرمُ منتصر، بل مقايضةٌ مشروطة.
خامساً: لماذا التضخيمُ في البيان؟
لأنّ العمليةَ الحقيقيةَ صغيرةٌ والحاجةَ الانتخابيةَ كبيرة. التأطيرُ الفخمُ («بنيةٌ استراتيجيةٌ إيرانيةٌ على مدى عقدين») مقصودٌ لِتبريرِ الأشهرِ الدامية، ولِصناعةِ صورةٍ لنتنياهو قبلَ 27 تشرين، ولِربطِ المعركةِ بإيرانَ استفزازاً وسطَ تصعيدِ هرمز، ولِحربٍ نفسيةٍ على الجنوبيين عنوانُها «حتى أنفاقُكم سقطت». البيانُ صُمّمَ لِيَكسرَ الوعيَ قبلَ أن يَكسرَ الميدان.
خلاصة لأهلِنا في الجنوبِ وبيئةِ المقاومة، بصدقٍ: المقاتلونَ خرجوا أحياءً من النفقين باعترافِ العدوّ؛ الرجالُ لم يُهزَموا، الإسمنتُ هُدِم. وكلّفَ العدوَّ ثلاثةَ أشهرٍ وقتلى وجرحى ونارٍ سامّةٍ ليُفكّكَ منشأةً واحدةً في أرضٍ يسيطرُ عليها - هذا قياسُ صمودِكم لا انكسارِكم. وها هو يُغادرُ لا يبقى؛ وكلمةُ «الانسحاب» في بيانِه هي اعترافُه بأنّه لا يقدرُ أن يُمسكَ المرتفع. فلا تدَعوا التأطيرَ المضخّمَ يكسرُ معنوياتِكم؛ فذاك التأطيرُ هو العمليةُ النفسيةُ بعينِها. وبالأمانةِ ذاتِها: فقدانُ منشأةٍ بُنيت على سنواتٍ كلفةٌ حقيقيةٌ لا نُنكرُها، لكنّ قوّةَ المقاومةِ لم تكن يوماً نفقاً واحداً؛ إنها بنيةٌ لامركزيةٌ وإرادةٌ صلبة، وكلتاهما بقيتا.
الخلاصةُ الاستراتيجية: أخذَ العدوُّ الخرسانةَ وهو يُغادر؛ لم يأخذِ الإرادةَ، ولم يُنجزْ نزعَ السلاح. «الانسحابُ» يُفنّدُ روايةَ الاحتلالِ المنتصر، و«فرّ آخرون» تُفنّدُ روايةَ الحسم، والأشهرُ الثلاثةُ بثمنِها ونارِها السامّةِ تُفنّدُ روايةَ الاقتدار. المعركةُ الآنَ معركةُ وعيٍ ورواية؛ ومن يقرأُ الحدثَ بحجمِه الحقيقيِّ - لا أكبرَ ولا أصغر - يملكُ أعصابَه، ومن يملكُ أعصابَه يُفشِلُ العمليةَ النفسيةَ قبلَ أن تبدأ.
قولوا يا رب.
#عليالطاهر #اعترافمغلفبالنصر #الفوسفورالأبيض #الانسحاب #الحربالنفسية #المقاومة #لبنان #الجنوبباقٍ